عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
435
اللباب في علوم الكتاب
الثاني : أن يكون حالا من المفعول في « أرسلناك » أي : أرسلناك ملتبسا بالحق . الثالث : أن يكون حالا من الفاعل ، أي : ملتبسين في الحق . وفيه وجوه : أحدها : أنه الصدق كقوله تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ [ يونس : 53 ] أي : صدق وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « بالقرآن » ، لقوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ [ ق : 5 ] . وقال ابن كيسان : « بالإسلام وشرائعه » ، لقوله تعالى : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ [ الإسراء : 81 ] ، وقال مقاتل : « لم نرسلك عبثا وإنما أرسلناك بالحق » لقوله عز وجل : ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الأحقاف : 3 ] وعلى هذه الأقوال في تعلّق هذا الجار وجوه : أحدها : أنه متعلّق بالإرسال . وثانيها : أنه متعلّق بالبشير والنذير أي : أنت مبشر بالحق ومنذر به . وثالثها : أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن ، أي أرسلناك بالقرآن حال كونك بشيرا لمن أطاع اللّه بالثواب ، ونذيرا لمن كفر بالعقاب ، والأولى أن يكون البشير والنذير حالا من الرسول ، أي : أرسلناك بالحق لتكون بشيرا ونذيرا لمن اتبعك « 1 » [ ونذيرا لمن كفر بك ] « 2 » ويجوز أن يكون بشيرا ونذيرا حالا من « الحق » ؛ لأنه يوصف أيضا بالبشارة والنّذارة ، وبشير ونذير على صيغة « فعيل » . أما بشير فتقول : هو من بشر مخففا ؛ لأنه مسموع فيه ، و « فعيل » مطرد من الثلاثي . وأما « نذير » فمن الرباعي ، ولا ينقاس عدل مفعل إلى فعيل ، إلا أن له هنا محسّنا . قوله تعالى : « وَلا تُسْئَلُ » قرأ الجمهور : « تسأل » مبنيّا للمفعول مع رفع الفعل على النفي ، وفي معنى هذه القراءة وجوه : أحدها : أن مصيرهم إلى الجحيم ، فمعصيتهم لا تضرّك ، ولست مسؤولا عن ذلك ، وهو كقوله : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [ الرعد : 40 ] وقوله : عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ [ النور : 54 ] . الثاني : أنك هاد وليس لك من الأمر شيء ، ولا تغتمّ لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ، ونظيره قوله تعالى : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] . الثالث : أنك لا تسأل عن ذنب غيرك ويعضد هذه القراءة قراءة « 3 » أبيّ : « وما تسأل » ، وقراءة عبد اللّه : « ولن تسأل » .
--> ( 1 ) في ب : كفر بك . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) انظر المحرر الوجيز : 1 / 204 ، البحر المحيط : 1 / 538 .